شهدت الأسواق المالية العالمية تحولا كبيرا في بوصلة الاستثمار، حيث سجلت وول ستريت موجة واسعة النطاق من التخارج وهجر الأسهم التكنولوجية، بالتزامن مع بلوغ رهانات الهبوط مستويات قياسية غير مسبوقة.
يعكس هذا الانعكاس العنيف حالة من القلق المتصاعد بين كبار المستثمرين ومديري الأصول تجاه مستقبل قطاع قاد لسنوات طويلة قاطرة النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة.
نهاية عصر الصعود الأعمى
في الفترة الماضية كانت أسهم قطاع التكنولوجيا وعمالقة الرقائق الإلكترونية تمثل الملاذ الآمن والورقة الرابحة دائماً لأموال المستثمرين، إلا أن المعطيات تغيرت كليا مع تزايد الشكوك حول الجدوى الاقتصادية للإنفاق الرأسمالي الضخم على البنية التحتية ومراكز البيانات الخاصة بالذكاء الاصطناعي.
و يشيرون المحللون في كبرى المؤسسات المالية إلى أن الأسواق انتقلت بحفة من عقلية شراء كل ما هو تكنولوجي إلى بيئة تداول أكثر قسوة وتشكيكا تفرق بين الرابحين والخاسرين الحقيقيين.
وقد تلقت أسهم الشركات الكبرى ضربات موجعة إثر تقارير عن تباطؤ بعض التطويرات الجيلية للنماذج الكبرى، إلى جانب ظهور نماذج منافسة منخفضة التكلفة أثارت مخاوف حقيقية بشأن تآكل هوامش الربحية التقليدية لشركات البرمجيات.
هذا المناخ دفع صناديق التحوط والمضاربين إلى بناء مراكز بيع مكشوفة ضخمة تستهدف الاستفادة من أي تصحيح قادم في تقييمات الشركات التي وُصفت طويلا بأنها مبالغ فيها.
تحذيرات تاريخية تحمل إشارات تطابق مع الماضي
تتزامن هذه الهزات مع تجاهل واضح من الأسواق الأميركية لكَمّ متزايد من المخاطر الاقتصادية والمالية والجيوسياسية، فيما تبدو التقييمات مدفوعة بتفاؤل مفرط يعيد إلى الأذهان محطات تاريخية سبقت أكبر الانهيارات في وول ستريت.
وفي تقرير تحليلي لصحيفة فاينانشال تايمز، سلط الضوء على واحدة من أسوأ التوقعات في تاريخ وول ستريت، عندما أطلق الاقتصادي الأميركي الشهير إيرفينغ فيشر في خريف عام 1929 مقولته الشهيرة بأن أسعار الأسهم بلغت هضبة مرتفعة بشكل دائم، ولم تمض فترة قصيرة حتى ضرب الانهيار الكبير الأسواق لتدخل الاقتصادات حقبة الكساد العظيم.
ورغم أن بعض الباحثين يرون أن تقييمات الأسهم آنذاك ربما عكست بصورة صحيحة قيمة الأصول الإنتاجية، فإن كلمة دائم كانت الخطأ القاتل الذي لم يرحم الملايين من ضحايا الأزمة.
ويكتسب هذا المثال أهمية استثنائية اليوم؛ إذ تجاوزت تقييمات الأسهم الأميركية مستويات سبتمبر 1929 نفسها، فمنذ عام 1881، لم تشهد السوق الأميركية سوى فترة واحدة ارتفعت خلالها التقييمات إلى مستويات أعلى من الحالية، وكانت خلال فقاعة شركات الإنترنت بين عامي 1999 و2000، والتي أعقبها انهيار حاد ممهداً الطريق للأزمة المالية العالمية.
وتعتمد هذه التحذيرات على مؤشر CAPE الذي طوره الاقتصادي الحائز على نوبل روبرت شيلر لقياس قيمة السوق مقارنة بمتوسط أرباح الشركات المعدلة حسب التضخم على مدى عشر سنوات.
وبلغ متوسط المؤشر تاريخيا 17.8 نقطة، بينما سجلت السوق 3 قمم تاريخية فقط 32.6 نقطة في سبتمبر 1929، و44.2 نقطة في ديسمبر 1999، ثم 41.4 نقطة في يوليو 2026، ما يضع التقييمات الحالية ضمن أكثر المستويات تطرفا وخطورة في التاريخ المالي الحديث.
ضغوط مركبة تضرب معاقل الابتكار
لم تقتصر موجة التراجع على الأسهم الأمريكية وحدها، بل امتدت عدوى هجر التكنولوجيا لتضرب الأسواق الآسيوية والأوروبية على حد سواء، مسجلة أسوأ أداء أسبوعي لقطاع الرقائق منذ أشهر طويلة.
وأشار خبراء الاقتصاد الكلي إلى أن صناديق المؤشرات والكميات تسببت في تسريع وتيرة الهبوط بعد تفعيل أوامر بيع تلقائية مع كسر مستويات دعم فنية مهمة.
وفي ظل بيئة اقتصادية كلية تتسم بالحذر الشديد وترقب تحركات البنوك المركزية وأسعار الفائدة، فضل عدد كبير من المستثمرين تسييل جزء معتبر من أرباحهم التاريخية في قطاع التقنية والتحول نحو أصول أكثر دفاعية واستقرارا.
آفاق قاتمة أم استراحة محارب؟
يرى فريق من محللي السوق أن ما يحدث هو مجرد تصحيح صحي ومطلوب لتطهير السوق من التقييمات الفقاعية المبالغ فيها، ويصر الفريق الآخر على أن وول ستريت تقف أمام نقطة تحول هيكلية؛ فالتفاؤل المطلق الذي غذى الطفرة التاريخية للذكاء الاصطناعي بات اصطدم بواقع تكاليف التشغيل المرتفعة وتباطؤ العائد الفوري.
ومع بقاء رهانات الهبوط عند مستويات غير مسبوقة، يبقى قطاع التكنولوجيا في اختبار حقيقي لإثبات قدرته على الدفاع عن مكانته، وسط ترقب قاتم من المستثمرين لنتائج الأعمال الفصلية القادمة التي ستحدد ما إذا كانت هذه الهجرة مجرد سحابة تابعت لعمليات جني أرباح عادية، أم بداية لانكماش أعمق في هيكل الاقتصاد الرقمي العالمي.
















